محمد أبو زهرة

299

المعجزة الكبرى القرآن

175 - ولذلك عنى القرآن الكريم بإثبات حقيقة البعث ، وبيان الحال في الحياة الآخرة ، وكان خطاب القرآن لقوم لا يؤمنون بالبعث ، ولا يدركون إلا الحياة الدنيا ، ويقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا ، نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين . وإن عقيدة البعث لب الإيمان ، وغاية من غايات الرسائل الإلهية ، ولذلك تجد القرآن يحتفى ببيان حقيقة البعث ، وتنبيه العقول إليه ، وما من موضع في القرآن الكريم ، إلا ذكر فيه البعث وقيام الدليل عليه ، بقياس قدرة اللّه تعالى على الإعادة على قدرته على الابتداء ، وأن البعث تكون الحياة الدنيا من غيره عبثا لا جدوى فيها كما قال تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) [ المؤمنون : 115 ] . ولنقبس قبسة من الآيات الكريمة التي تدعو إلى الإيمان بالبعث ، وتبين أن المشركين في ضلال ، اقرأ قوله تعالى : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) [ الرعد : 5 ] . إنهم يعجبون من أنهم بعد أن يصيروا ترابا يخلقون خلقا جديدا ، بل إنهم يعجبون من أن تدخل أجسامهم بعد البلى في أجسام أخرى ثم تبعث ، فيبين سبحانه وتعالى قدرته على ذلك ، فيقول تبارك وتعالى : قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ( 52 ) . [ الإسراء : 50 - 52 ] ولقد يقولون مستغربين : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 ) [ يس : 78 - 83 ] . وترى من هذا أن الذين ينكرون البعث ينكرون مع ذلك اللّه تعالى بل ينكرون أصل الرسالة الإلهية إلى خلقه ، اقرأ قوله تعالى في سورة ق : ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 ) [ ق : 1 - 5 ] . ويقول سبحانه : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) [ ق : 15 ] .